الحكيم الترمذي

73

غور الأمور

ليذكروا ذلك ، ويستعملوا أفهامهم ، وأذهانهم ، فيبرزوا بهن نور المعرفة ، فيستدل به على ذلك ، فيعرفوه ، ويؤمنوا به . ولا تكون المعرفة أبدا دون الرؤية ، والسمع ، أو القربة كأن ما قبل ذلك فإذا لاقاه بعد ذلك قد سبق منه إليه قبل ذلك من قربة ، أو رؤية ، أو لقى ، أو سمع ، أو صفة دالة عليه ، أو آية تشير إليه بما فيها ، أو معنى يؤدى عنه ، فذكر نفسه ذلك ، واستعمل الذهن ، والحفظ في إصابته ، والوقوف على معرفته ، فدله الذهن ، والفهم ، والحفظ ، فقيل عارف . ولا يقال هذا علم « 1 » ، فهو عالم . يستفهم العالم بالشئ والجاهل ، فيقال : ألست تعمل الكتابة والحساب ؟ والمستفهم لا يعلم أن المستفهم يعلم أن المستفهم كانت أم لا ، ولا يستفهم العارف بالشئ غير العارف ، ولا يقال الغير العارف « 2 » : ألست بالكاتب حتى يعلم أنه به عارف ؟ فإذا كان له منه معرفة قبل ذلك به استفهم ، فقال : ألست بكاتب ؟ ، فيقول : بلى فدلك هذا الإنسان على أن بني آدم قد كانوا أصابوا حظوظهم يوم الخلقة من صنعة اليد ، والنفخ ، والنور ، وصار ذلك عندهم رسما على أعين قلوبهم .

--> ( 1 ) الفرق بين العلم والمعرفة من الأمور التي ، حرص الشيخ رحمه اللّه على إثباتها في أكثر من موضع ، ويبدو لنا التداخل اللغوي بينهما ومن ذلك : علم الشئ علما : عرفه . وعرف الشئ : عرفانا ومعرفة . فالعلم يفسر بالمعرفة كما هو واضح . والمعرفة هي إدراك الشئ بحاسة من الحواس . وأما العلم فهو إدراك الشئ بحقيقته . ورغم أن كلاهما إدراك لكن العلم مرتبة أعلى من المعرفة ، لما فيه من تعمق واستنباط وربما أراد الشيخ رحمه اللّه أن يقول هنا : ولا يقال هذا عالم . ( 2 ) لعل السياق يقتضى أن يقول الشيخ رحمه اللّه : ولا يقال لغير العارف ، بدلا من ولا يقال الغير العارف ، فالمستقر لدى علماء اللغة عدم استحسان دخول ( آل ) على ( غير ) ، ولذا نقول : ولا يقال غير العارف ، إذا كان السياق هنا يستلزم ذلك ، لكن ما يتضح من الكلام السابق أن نقول : ولا يقال لغير العارف .